صحيح السيرة النبوية 5

اذهب الى الأسفل

صحيح السيرة النبوية 5

مُساهمة  Admin في الأحد مايو 09, 2010 12:35 pm

روى الإمام أحمد عن بريدة قال:
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا بـ(ودّان) قال:
((مكانكم حتى آتيكم)). فانطلق، ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال:
((إني أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة- يعني : لها - فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)).
ورواه البيهقي من طريق أخرى عنه بلفظ:
انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبرٍ فجلس، وجلس الناس حوله، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، ثم بكى، فاستقبله عمر، فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال:
((هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليّ، وأدركتني رقتها فبكيت)).
قال: فما رأيت ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة.
ورواه البيهقي من طريق أخرى نحوه.
وهو والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال:
زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال:
((استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت)).
وورى مسلم أيضاً عن أنس:
أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: ((في النار)). فلما قفّى دعاه، فقال:
((إن أبي وأباك في النار)).
وقد روى البيهقي عن عامر بن سعد عن أبيه قال:
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي كان يصل وكان وكان، فأين هو؟ قال: ((في النار)).
قال: فكأنّ الأعرابي وجد من ذلك ، فقال: يا رسول الله! أين أبوك؟ قال:
((حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار)).
قال: فأسلم الأعرابي بعد ذلك فقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعباً؛ ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
والمقصود أن عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية؛ خلافاً لفرقة الشيعة فيه، وفي ابنه أبي طالب؛ على ما سيأتي في (وفاة أبي طالب).
وقد قال البيهقي بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه((دلائل النبوة)):
((وكيف لا يكون أبواه وجده عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا بدين عيسى ابن مريم عليه السلام، وكفرهم لا يقدح في نسبه عليه الصلاة والسلام؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة، ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم؛ فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن، إذ كان مثله يجوز في الإسلام . وبالله التوفيق)).
قلت: وإخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار؛ لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة؛ كما بسطناه سنداً ومتناً في ((تفسيرنا)) عند قوله تعالى : ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: 15]. فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة، ولله الحمد والمنة.

خروجه عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب
روى الحافظ أبو بكر الخرائطي من طريق يونس بن أي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال:
خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، لما أشرفوا على الراهب- يعني : بحيرى- هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال:
فنزل وهم يحلون رحالهم ، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذا سيد العالمين (وفي رواية البيهقي زيادة: هذا رسول رب العالمين؛ يبعثه الله رحمة للعالمين).
فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدون إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه.
ثم رجع فصنع هم طعاماً، فلما أتاهم به- وكان هو في رعية الإبل- فقال:
أرسلوا إليه. فأقبل وغمامة تظله، فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة! فلما دنا القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء شجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.
قال: فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقلتوه، فالتفت، فإذا هو سبعة نفر من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: فهل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: لا؛ إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه؛ هل يستيع أحد رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه عنده، قال:
فقال الراهب: أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب.
فلم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوده الراهب من الكعك والزيت.
وهكذا رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن عساكر وغير واحد من الحفاظ وقال الترمذي :
((حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)).
قلت: فيه ن الغرائب أنه مرسلات الصحابة؛ فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة، فهو مرسل، فإن هذه القصة كانت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر فيما ذكره ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم، أو كان هذا مشهور مذكوراً أخذه من طريق الاستفاضة.
[المستدرك]
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((ما زالت قريش كاعّة حتى توفي أبو طالب)).
أخرجه الحاكم (2/622) وقال: ((صحيح على شرط الشيخين)).
قلت: فيه عقبة المجَدّر، ولم يخرج له الشيخان، وهو صدوق، فالإسناد جيد. وسيذكره المؤلف رحمه الله بلفظ آخر من رواية ابن إسحاق في (وفاة أبي طالب) مع روايات أخرى تناسب هذا الفصل. [انتهى المستدرك].

فصل
في منشئه عليه الصلاة والسلام ومرباه وكفاية الله له وحياطته وكيف كان يتيماً فآواه وعائلاً فأغناه
قال جابر بن عبد الله:
لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة، فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل، فخرّ إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: ((إزاري)). فشد عليه إزاره.
أخرجاه في ((الصحيحين)).
وروى البيهقي عن زيد بن حارثة قال:
(إسناده حسن)
كان صنم من نحاس- يقال له: (إساف) و(نائلة)- يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تمسه)). قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون. فمسحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ألم تُنه؟!)). زاد غيره: قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب؛ ما استلم صنماً قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه)).
وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة؛ بل كان يقف مع الناس بـ(عرفات)؛ كما قال محمد بن إسحاق ... عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال:
لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على دين قومه، وهو يقف على بعير له بـ(عرفات) من بين قومه، حتى يدفع معهم؛ توفيقاً من الله عز وجل له.
قال البيهقي: معنى قوله: ((على دين قومه)): ما كان بقي من إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولم يشرك بالله قط؛ صلوات الله وسلامه عليه دائماً أبداً.
قلت: ويفهم من قوله هذا أيضاً أنه كان يقف بـ(عرفات) قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من الله له.
ورواه الإمام أحمد والطبراني (1577) عن محمد بن إسحاق، ولفظه:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه وإنه لواقف على بعير له مع الناس بـ(عرفات) حتى يدفع معهم توفيقاً من الله.
وله شاهد من حديث ربيعة بن عباد رواه الطبراني (4592).
ورواه الإمام أحمد من طريق أخرى عن جبير بن مطعم قال:
أضللت بعيراً لي بـ(عرنة)، فذهبت أطلبه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف، فقلت: إن هذا من (الحمس)؛ ما شأنه ها هنا؟!
وأخرجاه.
[المستدرك]
وعن سالم بن عبد الله أنه سمع ابن عمر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل (بلدح)، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منه وقال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
أخرجه أحمد (2/89)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وانظر : ((السيرة)) للذهبي (ص44).
وله شاهد من حديث سعيد بن زيد أتم منه.
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (350)، وعنه الذهبي (ص46).
وفي رواية : عن زيد بن حارثة عند الطبراني (4663 و4664)، والحاكم (3/216-217)، وانظر: ((مجمع الزوائد)) (9/418). [انتهى المستدرك].
شهوده عليه الصلاة والسلام حلف الفضول
روى الحافظ البيهقي بسنده عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحب أن أنكُثه- أو كلمة نحوها وأن لي حُمْر النعم)).
ثم روى البيهقى عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(إسناده حسن)
(( ما شهدت حلفاً لقريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته)).
قال: و(المطيبون): هاشم ، وأمية ، وزهرة، ومخزوم.
قال البيهقي: كذا روى هذا التفسير مدرجاً في الحديث، ولا أدري قائله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين.
قلت: هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشاً تحالفوا بعد موت قصي، وتنازعوا في الذي جعله قصي لابنه عبد الدار من الساقية، والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف، وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش، وتحالفوا على النصرة لحزبهم، فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب، فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا، فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت، فسموا المطيبين؛ كما تقدم، وكان هذا قديماً.
ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول، وكان في دار عبد الله بن جدعان؛ كما رواه الحميدي وابن إسحاق.
وكان حلف الفضول أكرم حلف سُمع به وأشرفه في العرب.
روى ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي:
أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والوليد يومئذ أمير المدينة، أمّره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما بـ(ذي المروة)، فكأن الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول.
قال: فقال عبد الله بن الزبير- وهو عند الوليد حيث قال له الحسين ما قال- : وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه من حقه أو نموت جميعاً. قال:
وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك.
وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التميمي، فقال مثل ذلك.
فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي.

Admin
Admin

المساهمات : 282
تاريخ التسجيل : 28/04/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eslame.roo7.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى