صحيح السيرة النبوية 10

اذهب الى الأسفل

صحيح السيرة النبوية 10

مُساهمة  Admin في الأحد مايو 09, 2010 12:45 pm

قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين : ﴿وفومها﴾ أن المراد: ثومها.
وقوله: ((حتى فجأه الحق وهو بغار حراء))؛ أي: جاء بغتة على غير موعد؛ كما قال تعالى : ﴿وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾الآية[النمل:86].
وقد كان نزول هذه السورة الكريمة وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5] – وهي أول ما نزل من القرآن؛ كما قررنا ذلك في ((التفسير))، وكما سيأتي أيضاً في يوم الاثنين؛ كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن أبي قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال:
((ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل عليّ فيه)).
وقال ابن عباس:
ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونُبّي يوم الاثنين.
وهذا ما خلاف فيه.
والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان؛ كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن إسحاق وغيرهما، واستدل ابن إسحاق على ذلك بقوله تعالى : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾ [البقرة: 185].
وروى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((أُنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان)).
وروى ابن مردويه في ((تفسيره)) عن جابر بن عبد الله مرفوعاً نحوه.
ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين.
وأما قول جبريل: ((اقرأ))، فقال: ((ما أنا بقارئ))؛ فالصحيح أن قوله: ((ما أنا بقارئ)) نفي؛ أي : لست ممن يحسن القراءة، ووممن رجحه انووي، وقبله الشيخ أبو شامة.
ومن قال: إنها استفهامية. فقوله بعيد؛ لأن الباء لا تزاد في الإثبات.
وقوله: ((حتى بلغ مني الجهد)): يُروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع، وفعل به ثلاثاً، قال الخطابي:
((وإنما فعل ذلك به ليبلوا صبره، ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، وتأخذه (الرحضاء)؛ أي: البهر والعرق)).
وقال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس؛ كما قال تعالى : ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: 5]، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه، ويغط كما يغط البكر من الإبل، ويتفصد جبينه عرقاً في اليوم الشديد البرد.
وقوله: ((فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يردف فؤاده))، وفي رواية: ((بوادره)): جمع بادرة؛ قال أبو عبيدة: وهي لحمة بن المنكب والعنق. وقال غيره: هي عروق تضطرب عند الفزع .
وقوله: ((لقد خشيت على نفسي))، وذلك لأنه شاهد أمراً لم يعهده قبل ذلك، ولا كان في خلده، ولهذا قالت خديجة: كلا؛ أبشر والله؛ لا يخزيك الله أبداً. قيل: من الخزي، وقيل: من الحزن، وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه؛ أن من كان متصفاً بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: ((إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث)). وقد كان مشهوراً بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق.
((وتحمل الكل))؛ أي: عن غيرك، تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤونة عياله.
((وتكسب المعدوم)) ؛ أي: تسبق إلى فعل الخير، فتبادر إلى إعطاء الفقير، فتكسب حسنته قبل غيرك، ويسمى الفقير معدوماً ؛ لأن حياته ناقصة، فوجوده وعدمه سواء؛ كما قال بعضهم:
ليس من مات فاستراح بميت إن الميت ميت الأحياء
واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بـ(المعدوم) ههنا: المال المعطى؛ أي: يعطي المال لمن هو عادمه.
ومن قال: إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير؛ فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما ليس له علم، فإن مثل هذا لا يمدح به غالباً، وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما. والله أعلم.
((وتقري الضيف))؛ أي: تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه.
((وتعين على نوائب الحق))، ويروى ((الخير))؛ أي: إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سداداً من عيش، أو قواماً من عيش.
وقول ورقة: ((يا ليتني فيها جذَعاً))؛ أي: يا ليتني أكون اليوم شاباً متمكناً من الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح.
((يا ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك))؛ يعني: حتى أخرج معك وأنصرك.
((نصراً مؤزراً)؛ أي: أنصرك نصراً عزيزاً أبداً.
وقوله: ((ثم لم ينشب ورقة أن توفي))؛ أي: توفي بعد هذه القصة بقليل، رحمه الله ورضي عنه، فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وُجد ، وإيمان بما حصل من الوحي، ونية صالحة للمستقبل.
وقد روى الإمام أحمد عن ابن لهيعة: حدثني أبو الاسود عن عروة عن عائشة: أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل؟ فقال:
((قد رأيته؛ فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض)).
وهذا إسناد حسن؛ لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلاً. فالله أعلم.
وروى الحافظ أبو يعلى عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل؟ فقال:
((قد رأيته؛ فرايت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس)).
وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل؟ فقال:
((يبعث يوم القيامة أمة وحده)).
وسئل عن أبي طالب؟ فقال:
((أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها)).
وسئل عن خديجة؛ لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن؟ فقال:
((أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب؛ لا صخب فيه ولا نصب)).
إسناده حسن، ولبعضه شواهد في ((الصحيح)). والله أعلم.
وروى البزار وابن عساكر عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين)).
وهذا إسناد جيد، وروي مرسلاً، وهو أشبه.
وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال : السلام عليك يا رسول الله!
وفي رواية:
لقد رأيتني أدخل معه الوادي، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال : السلام عليكم يا رسول الله! وأنا أسمعه.
ومضى قريباً حديث مسلم:
((إني لأعرف بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)).

فصل
وفي ((الصحيحين)) عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي قال:
((فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء ... فخشيت منه فرقاً حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني. فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾[المدثر: 1-5].
قال: ثم حمي الوحي وتتابع)).
فهذا كان أول من القرآن بعد فترة الوحي لا مطلقاً، ذاك قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
وقد ثبت عن جابر : أن أول ما نزل : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه؛ فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجيء الملك الذي عرفه ثانياً بما عرفه به أولاً إليه. ثم قوله: ((يحدث عن فترة الوحي)) دليل على تقدم الوحي على هذا الإيحاء. والله أعلم.
وقد ثبت في ((الصحيحين)) عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أي القرآن أنزل قبل؟ فقال: ﴿يا أيها المدثر﴾.
فقلت: و ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾؟
فقال: سألت جابراً بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ فقال: ﴿يا أيها المدثر﴾ فقلت: و﴿اقرأ باسم ربك﴾؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إني جاورت بـ(حراء) شهراً، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت بين يدي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فلم أرَ شيئاً، ثم نظرت إلى السماء؛ فإذا هو على العرش في الهواء، فأخذتني رعدة- أو قال: وحشة- فأتيت خديجة ، فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله : ﴿يا أيها المدثر ﴾ حتى بلغك ﴿وثيابك فطهر﴾)).
وفي رواية:
((فإذا الملك الذي جاءني بـ(حراء) جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه)).
وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه، وإنزاله الوحي من الله عليه؛ كما ذكرناه. والله أعلم.
ومنهم من زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة: ﴿والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى﴾ إلى آخرها. وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي ((الصحيح))؛ من أن أول القرآن نزولاً بعد فترة الوحي:
﴿يا أيها المدثر. قم فأنذر﴾، ولكن نزلت سورة (والضحى) بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة؛ كما ثبت في ((الصحيحين)) وغيرهما عن جندب بن عبد الله البجلي قال:
اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثاً، فقالت امرأة: ما أرى شيطانك إلا تركك. فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وبهذا الأمر حصل الإرسال إلى الناس، وبالأول حصلت النبوة.
ثم حمي الوحي بعد هذا وتتابع؛ أي: تدارك شيئاً بعد شيء.
وقام حينئذٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرسالة أتم القيام، وشمر عن ساق العزم ، ودعا إلى الله القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد.
فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق.
ومن الغلمان علي بن أبي طالب.
ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته عليه السلام.
ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي؛ رضي الله عنهم وأرضاهم.

Admin
Admin

المساهمات : 282
تاريخ التسجيل : 28/04/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eslame.roo7.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى