صحيح السيرة النبوية 13

اذهب الى الأسفل

صحيح السيرة النبوية 13

مُساهمة  Admin في الأحد مايو 09, 2010 12:49 pm

ثم تتامّ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصدق بما جاء منه، وقد قبله بقبوله، وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم.
وللنبوة أثقال ومؤونة لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل- بعون الله وتوفيقه لما يلقون من الناس، وما يُردّ عليهم مما جاؤوا به عن الله عز وجل.
فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أمر الله به على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
قال ابن إسحاق: وآمنت خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله ورسوله، وصدقت بما جاء منه.
فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يسمع شيئاً يكرهه من رد عليه، وتكذيب له، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها؛ إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه ، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، رضي الله عنها وأرضاها.
قال: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب؛ لا صخب فيه ولا نصب)).
وهذا الحديث مخرج في ((الصحيحين)) من حديث هشام.
قال ابن هشام: (القصب) ها هنا: اللؤلؤ المجوف.
فصل
في ذكر من أسلم ثم ذكر متقدمي الإسلام
من الصحابة وغيرهم
روى ابن إسحاق عن إياس بن عُفيف عن أبيه عفيف وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس لأمه أنه قال:
كنت امرءاُ تاجراً، فقدمت (منىً) أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءاً تاجراً، فأتيته أبتاع منه.
قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء، فقام يصلي تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي، وخرج غلام فقام يصلي معه.
فقلت: يا عباس! ما هذا الدين ؟! إن هذا الدين ما أدري ما هو؟!
فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به.
قال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذٍ فكنت أكون رابعاً.
وفي رواية عنه قال:
إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها قد مالت قام يصلي ... ثم ذكر قيام خديجة وراءه.
وروى ابن جرير بسنده عن يحيى بن عفيف [عن عفيف] قال:
جئت زمن الجاهلية إلى (مكة)، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس، وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب، فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة، فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب، فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب، فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجداً، فسجدا معه.
فقلت: يا عباس! أمر عظيم! فقال: أمر عظيم؟! أتدري من هذا؟ فقلت: لا. فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؛ ابن أخي . أتدري من الغلام؟ قلت: لا. قال: هذا علي بن أبي طالب- رضي الله عنه أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت: لا. قالت: لا. قال: هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي. وهذا حدثني أن ربك رب السماء والأرض أمره بهذا الذي تراهم عليه، وايم الله؛ ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.
وروى ابن جرير أيضاً عن ابن عباس قال:
أول من صلى عَلِيّ.
وعن جابر قال:
بُعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وصلى عليٌُّ يوم الثلاثاء.
وعن زيد بن أرقم قال:
أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب.
قال: [عمرو بن مرة]: فذكرته للنخعي، فأنكره، وقال: أبو بكر أول من أسلم.
وقال آخرون: أول من أسلم هذه الأمة أبو بكر الصديق.
والجمع بين الأقوال كلها: إن خديجة أول من أسلمت من النساء- وظاهر السياقات- وقبل الرجال أيضاً.
وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة.
وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب؛ فإنه كان صغيراً دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت.
وأول من أسلم من الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم؛ إذ كان صدراً معظماً، ورئيساً في قريش مكرماً، وصاحب مال، وداعية إلى الإسلام، وكان محبباً متألفاً، يبذل المال في طاعة الله ورسوله.
وقد ثبت في ((صحيح البخاري)) عن أبي الدرداء في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الخصومة، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبتَ. وقال أبو بكر: صدق. وواساني بنفسه وماله. فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ (مرتين) )). فما أوذي بعدها.
وهذا كالنص على أنه أول من أسلم رضي الله عنه.
وقد روى الترمذي وابن حبان عن أبي سعيد قال:
قال ابو بكر الصديق رضي الله عنه: ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟
وقد تقدم رواية ابن جرير عن زيد بن أرقم قال:
أول من أسلم علي بن أبي طالب.
قال عمرو بن مرة: فذكرته لإبراهيم النخعي، فأنكره، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وهذا هو المشهور عن جمهور أهل السنة.
وثبت في ((صحيح البخاري)) عن عمار بن ياسر قال:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر.
وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن مسعود قال:
أول من أظهر الإسلام سبع: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد.
فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم؛ فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما ارادوا؛ إلا بلالاً؛ فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب (مكة) وهو يقول: أحد أحد.
وثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال:
أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو بـ(مكة)، وهو حينئذ مستخف، فقلت: ما أنت؟ قال: ((أنا نبي)). فقلت: وما النبي؟ قال: ((رسول الله)). قلت: الله أرسلك؟ قال: ((نعم)). قلت: بم أرسلك؟ قال:
((أن تعبد الله وحده لا شريك له، وتكسر الأصنام، وتوصل الأرحام)).
قال: قلت: نِعْمَ ما أرسلت به، فمن تبعك على هذا؟
قال: ((حر وعبد)). يعني: أبا بكر وبلالاً.
قال: فكان عمرو يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام.
قال: فأسلمت. قلت: فاتبعك يا رسول الله؟ قال: ((لا؛ ولكن الحقْ بقومك؛ فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني)).
ويقال: إن معنى قوله عليه السلام: ((حر وعبد)) اسم جنس، وتفسير ذلك بأبي بكر وبلال فقط فيه نظر؛ فإنه قد كان جماعة أسلموا قبل عمرو بن عبسة، وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا، فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه، فإن المؤمنين كانوا إذ ذاك يستسرون بإسلامهم، لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم، دع الأجانب، دع أهل البادية من الأعراب. والله أعلم.
وفي ((صحيح البخاري)) عن سعد بن أبي وقاص:
((ما أسلم أحد[إلا] في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام)).
أما قوله: ((ما أسلم أحدٌ في اليوم الذي أسلمت فيه)) فسهل، ويروى: ((إلا في اليوم الذي أسلمت فيه))، وهو مشكل؛ إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالإسلام، وقد علم أن الصديق وعلياً وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله؛ كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد؛ منهم ابن الأثير.
ونص أبو حنيفة رضي الله عنه على أن كلاً من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه. والله أعلم.
وأما قوله: ((ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام)) فمشكل، وما أدري على ماذا يوضع عليه؟! إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه. والله أعلم.
وروى الطيالسي وأحمد والحسن بن عرفة عن ابن مسعود قال:
كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط بـ(مكة)، فأتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقد فرا قمن المشركين، فقال أو : فقالا - : عندك يا غلام! لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما. فقال: هل عندك من جذعة لم ينزُ عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع ودعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: اقلص. فقلص.
فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: علمني من هذا القول الطيب. يعني القرآن، فقال:
((إنك غلام معلّم)).
فأخذت من فيه سبعين سورة؛ ما ينازعني فيها أحد.

Admin
Admin

المساهمات : 282
تاريخ التسجيل : 28/04/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eslame.roo7.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى