صحيح السيرة النبوية 19

اذهب الى الأسفل

صحيح السيرة النبوية 19

مُساهمة  Admin في الأحد مايو 09, 2010 1:06 pm

وأما عيسى بن مريم؛ فعبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وابن العذراء البتول.
فأخذ عوداً، وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود.
فقال عظماء الحبشة: والله؛ لئن سمعت الحبشة لتخلعنك.
فقال: والله؛ لا أقول في عيسى غير هذا أبداً، وما أطاع الله الناس فِيَّ حين رد علي ملكي؛ فأطيع الناس في دين الله؟! معاذ الله من ذلك!
وقال يونس عن ابن اسحاق: فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم، ولم يكن شيء أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم.
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا: ماذا تقولون؟
فقالوا: وماذا نقول؟! نقول - والله - ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان.
فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية!
فقال له جعفر: أيها الملك! كنا قوماً على الشرك نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحلل شيئا ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونصل الأرحام، ونحمى الجوار، ونصلي لله عز وجل، ونصوم له، ولا نعبد غيره.
@(وقال زياد عن ابن اسحاق: فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له، ولم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.
فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا، ويردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث.
فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك!
قالت: فقال النجاشي: هل معك شي مما جاء به؟
فقرأ عليه صدراً من ﴿كهيعص﴾ فبكى - والله - النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم[حين سمعوا ما تلا عليهم]).
ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى؛ انطلقوا راشدين، لا والله؛ لا أردهم عليكم، ولا أنعمكم عيناً.
فخرجنا من عنده، وكان أبقى الرجلين فينا عبد الله بن [أبي] ربيعة، فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد - عيسى بن مريم - عبد !
فقال له عبد الله بن [أبي] ربيعة: لا تفعل؛ فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا فقال: والله لأفعلن.
فلما كان الغد دخل عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيما، فارسل اليهم فسلهم عنه.
فبعث - والله - إليهم ولم ينزل بنا مثلها.
فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه؟
فقالوا: نقول - والله - الذي قاله الله فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه.
فدخلوا عليه وعنده بطارقته، فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟
فقال له جعفر: نقول: هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فدلى النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عوداً بين إصبعيه، فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد.
فتناخرت بطراقته، فقال: وإن تناخرتم والله‍!
اذهبوا فأنتم شيوم في الأرض (الشيوم: الآمنون في الأرض)، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم (ثلاثاً) ما أحب أن لي دبراً وأني آذيت رجلاً منكم. (والدبر بلسانهم: الذهب).
@(وقال زياد عن ابن اسحاق: ما أحب أن لي دبراً من ذهب. قال ابن هشام: ويقال زبراً، وهو الجبل بلغتهم).
ثم قال النجاشي: فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ ملكي، ولا أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟! ردوا عليهما هداياهم، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي.
فخرجا مقبوحين مردوداً عليهما ماجاءا به.
قالت: فاقمنا مع خير جار في خير دار.
فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه الملك.
فوالله ما علمتنا حزنّا حزناً قط هو أشد منه فرقاً من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه.
فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائراً.
فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون.
وقال الزبير - وكان من أحدثهم سنا - : أنا.
فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة.
فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه.
فجاءنا الزبير فجعل يليح لنا بردائه ويقول: ألا فابشروا؛ فقد أظهر الله النجاشي.
قالت: فوالله؛ ما علمتنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي.
ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى (مكة) وأقام من أقام.
قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: أتدري ما قوله: ((ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ؛ فاطيع الناس فيه؟!))؟
فقلت: لا؛ ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فإن عائشة حدثتني: أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلاً، ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي، وملكنا أخاه؛ فان له اثني عشر رجلاً من صلبه؛ فتوارثوا الملك؛ لبقيت الحبشة عليهم دهراً طويلا لا يكون بينهم اختلاف.
فعدوا عليه فقتلوه، وملكوا أخاه.
@فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه، فلا يدير أمره غيره، وكان لبيبا حازماً من الرجال.
فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله فكلموه فيه فليقتله، أو ليخرجنه من بلادنا.
فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وانا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا؛ فإما أن تقتله؛ وإما أن تخرجه من بلادنا.
قال: ويحكم! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟! بل أخرجه من بلادكم.
فخرجوا به فوقفوه في السوق، وباعوه من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم، أو بسبعمائة فانطلق به.
فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته.
ففزعوا إلى ولده؛ فاذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فان كان لكم بأمر الحبشة حاجة؛ فادركوه قبل أن يذهب.
فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره وملكوه.
فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي. فقالوا: لا نعطيك. فقال: اذاً والله لأكلمنه.
فمشى إليه فكلمه، فقال: أيها الملك! إني ابتعت غلاماً، فقبض مني الذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي، ولم يردوا علي مالي.
فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال:
لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده، فليذهبن به حيث شاء.
فقالوا: بل نعطيه ماله. فأعطوه إياه.
فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة؛ فآخذ الرشوة حين ردّ علي ملكي؟! وما أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟!
والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة.
والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغيرهما أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري.
والمقصود أنهما حين خرجا من (مكة) كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شاباً حسناً، فاصطحبا في السفينة، وكأن عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص؛
[180]
فألقى عمراً في البحر ليهلكه، فسبح حتى رجع إليها، فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك. فحقد عمرو عليه.
فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشى، فوشى به عمرو، فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله، وساح في البرية مع الوحوش.

وقد ذكر الأموي قصته مطولة جداً، وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطا، وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه، فجعل يقول
: أرسلني أرسلني ، وإلا مت. فلما لم يرسله مات من ساعته. فالله أعلم

Admin
Admin

المساهمات : 282
تاريخ التسجيل : 28/04/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eslame.roo7.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى